الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
331
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
قصير أنفه » . ثم خرج كأنهّ هارب ، وأظهر أن عمرا فعل به ذلك ، وأنهّ يزعم أنهّ مكر بخاله جذيمة ، وغرهّ من الزباء . فسار حتّى قدم على الزباء فقيل لها : إنّ قصيرا بالباب . فأمرت به فادخل عليها ، فإذا أنفه قد جدع ، وظهره قد ضرب ، فقالت : ما الذي أرى بك يا قصير فقال زعم عمرو بن عدي أنّي غررت خاله ، وزيّنت له المسير إليك وغششته ومالأتك عليه ، ففعل بي ما ترين ، فأقبلت إليك وعرفت أنّي لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك . فأكرمته ، وأصابت عنده بعض ما أرادت من الرأي والمعرفة بأمور الملوك . فلمّا عرف أنّها قد ثقّت به قال : إنّ لي بالعراق أموالا كثيرة ، وبها طرائف وثياب وعطر ، فابعثيني إلى العراق لأحمل مالي ، وأحمل إليك من بزوزها وطرائف ثيابها ، وصنوف ما يكون بها من الأمتعة والطيب والتجارات ، فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما ، وبعض ما لا غنى بالملوك عنه . فلم يزل يزيّن لها ذلك حتى سرحته ودفعت معه عيرا ، وقالت له : بع ما جهّزناك به ، وابتع لنا من طرائف ما يكون بها . فسار قصير حتى قدم العراق وأتى الحيرة متنكرا ، فدخل على عمرو بن عدي فأخبره بالخبر ، وقال : جهزني بالبز والطرف والأمتعة ، لعلّ اللّه يمكن منها فتصيب ثأرك . فجهزّه بصنوف الثياب وغيرها ، فرجع بذلك كلهّ إلى الزباء فأعجبها ما رأت ، وازدادت به ثقة . ثم جهزّته بعد ذلك بأكثر مما في المرة الأولى ، فسار حتى قدم العراق ، ولقي عمرو بن عدي ، وحمل من عنده ما ظنّ أنهّ موافق لها ، ولم يدع طرفة قدر عليها إلّا حملها ، ثم عاد الثالثة ، وقال لعمرو : اجمع لي ثقات أصحابك وجندك ، وهيىّ ء لهم الغرائر والمسوح - وقصير أوّل من عمل الغرائر - واحمل كلّ رجلين على بعير في غرارتين ، واجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها ، فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها ، وأخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة ، فمن قاتلهم قتلوه ، وإن